محمد أبو زهرة

3419

زهرة التفاسير

وأنهم وراءهم العذاب الأليم ، فقال تعالى : وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي مستقرهم الذي يستقرون فيه ويأوون إليه جهنم جزاء بما كسبوه في الدنيا من آثام في أقوالهم وبثهم الشر والفساد بين المؤمنين وسعيهم وتثبيطهم لهمم المؤمنين . وقلنا : إن التعبير فيه نوع من التهكم عليهم ؛ لأن المأوى مكان الاطمئنان والراحة ، وإن المنافقين يرتعدون من الإعراض عنهم ويسعون إلى طلب رضى النبي والمؤمنين ، فيحلفون لهم بما يقرب قلوبهم ، ولذا قال تعالى : يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ( 96 ) لقد أعرضوا عنهم ولكنه إعراض من لا ينسى ما كان منهم ولكن لا يذكره ، أعرضوا عنهم بوجوه مكفهرة ، وما في قلب المؤمن يظهر في لمحات عينه وعلى وجهه فهو في اشمئزاز منهم ، وإن كان لا يتكلم بسوء ، وهذه الحال لوم شديد ، وهم يريدون إرضاءهم ، فأخذوا عدتهم من القول ، وهو الحلف ليدنوا منهم ويتقربوا من نفوسهم ، وتتلاقى مشاعرهم وإحساساتهم ، فيتمكنوا منهم ، ويعرفوا دخائل نفوسهم ، وقد نهى اللّه تعالى عن ذلك ، ولذا قال : فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ . والمؤمن يطلب رضا اللّه دائما ، ويتبع ما يرضى اللّه ، ولا يفعل قط ما لا يرضى اللّه ، فإذا كان اللّه لا يرضى عنهم ، فالمؤمن اتباعا لحكم اللّه تعالى لا يرضى عنهم . وإن رضا المؤمنين من غير رضا اللّه تعالى لا يجديهم ؛ لأنه هو الذي يعاقب وهو الذي ينعم ، ويشقى ، فإن أرادوا الرضا ، فليطلبوا رضا اللّه تعالى لا رضا المؤمنين وحدهم ، ورضا اللّه في أن يخلعوا أنفسهم من النفاق ، ويخرجوا من إهابه ، فبئس الإهاب يلبسونه .